يوماً ما.. خلال شهر آذار 2015.. اتفق مجموعة من الشباب "اللاجئين" على أن يكون لهم دور جوهري في تغيير حياة الناس، وألا يخرجوا من هذه الحياة إلا ببصمة فريدة تؤكد على أنهم ليسوا أرقاماً.
يرى هؤلاء الشباب أن الشهداء يقدمون أرواحهم فداء ما يؤمنون به، فقرروا أن يقدموا حياتهم فداء لأمتهم.
لا يعجب هؤلاء الشباب تلك الصورة المشوهة التي ترسمها بعض الأدوات الاستعمارية عن حياة العرب والثقافة العربية والحضارة العربية، فكان اختبارهم لثقافتهم محكاً حاسماً أنتج يعرب. تلك الفكرة التي أنتجتها الثقافة العربية، بأيد عربية.
نحن أولئك الشباب، تكونت تجربتنا على اسم يعرب.. وهذه قصتنا
حين نود أن نسرد قصة يعرب فإننا لا نستحضر مجرد وجدان وعواطف تخص مجموعة من الناس، وبالمقابل .. لا يستوجب الأمر برهاناً علمياً أو مقاييس دقيقة لنثبت الناجح والفاشل، إننا نسرد وصفاً لحالة موجودة الآن، ثقافة مميزة يتداولها الآلاف من الأشخاص، فكر مهم يستعان به على ضنك العيش وشدة الظروف، خليط من النجاح والفشل، أحلام مأسورة وآلام مؤثرة، إننا هنا نسرد سيرورة الأفكار .. وبالتالي تمرحل الإنجازات الحية والميتة، تلك الأفكار التي انطلقت من أشخاص، فأدت إلى أحداث كوّنت واقعاً مؤثراً في العمل العام، بأشكاله الوطنية والإنسانية والاجتماعية والشبابية والفتيانية، واقعاً ننظر له بعين المنتمي، وببصيرة المقاتل، وبسرد الموضوعي، وبنية الإفصاح المعقول، وبلغة عامة ودقيقة وحساسة ومتماسكة وصادقة، في مسعى يعبر عن رسالة يعرب، وبالتالي كخطوة للأمام، خطوة كل الخطوات.
تكونت مجموعة شبابية بفعل عوامل عدة، كالهم الإنساني والوطني والاجتماعي، والقرب الجغرافي، والفقر، والسياق الجامعي، والتجربة السياسية، وبالتالي جعلت منهم الأصدقاء والإخوة الودودين، الجريئين، الطامحين إلى تغيير العالم من خلال تحويل همهم إلى همة، وألمهم إلى أمل، وعملهم إلى مزار. كما كانوا يزعمون يوماً ما.
قامت هذه المجموعة بتجارب عدة، جزء منها ينم عن براءة اللاجئ، وجزء آخر ينم عن عزيمة المقاتل، وجزء ينم عن الحنكة وحسن التدبير، وأما باقي الأجزاء فهي تعبر بشكل لا خلاف على وصفه بالجريء - الإنساني والمتهور -المنتمي في آن معاً.
قررت هذه المجموعة التي تكونت من شباب أكبرهم عمراً 23 عاماً وأصغرهم 11 عاماً، بأن تبدأ عملها بشكل منظم ومعلَن ضمنياً، فقامت بتجربة انخراطها في عمل تطوعي مع الأطفال، وبعد أكثر من عشر شهور، قرروا أن يؤسسوا منشأة مختصة في العمل مع الأطفال، واجتمعوا في الأسبوع الأخير من شهر آذار عام 2015، ليتفقوا على الغاية الأساس، ليكون نقطة الأصل الخاصة بهم .. المخيم.
نرى المخيم رمزاً، ومنطقة النصر منطلقاً، مخيم حي الأمير حسن المعروف بمخيم النصر، في شرق العاصمة الأردنية عمان.
المخيم الرمز : إنه يدل على مصداقية التوجه وعدم انحرافه عن البوصلة الوطنية، ولا عن المسار الإنساني، ويحفظ المجموع من أي انسلاخ فكري أو انجرار عملي، حيث أنه رمز من رموز العودة والتحرير، وموطن الهم الذي يختمر إلى همة، بل ومصدر الألم الذي يتبخر فيتكثف إلى أمل.
المخيم المكان : لأن المجموعة التي انطلقت بالعمل، ارتأت بموازين المعقولية والحنكة بأن البداية من عمان من مخيم صغير نسبياً سيجعلنا نسيطر على الفشل، كونه شبح متوقع دائماً في البدايات. إضافة إلى أن الثلة المؤثرة اجتماعياً على المستوى الشعبي هم أبناء هذا المخيم، فإنه لمن الفطنة البداية والتمركز هنا، تراكماً على جهودهم للمضي قدماً نحو ما نريد.
وعليه وحتى الآن في عام 2023، اكتشف المؤسسون أنهم قاموا بصنع المكونات الآتي شرحها.
المكونات التي ارتكزت عليها فكرة يعرب :
المكون الأول: العمل مع الأطفال في مخيم النصر
يعتبر هذا المكون هو البذرة الأساسية التي بنيت من أجلها كل المكونات الأخرى، حيث كان التفكير باتجاه غاية واحدة : كيف لنا أن نضيف إضافة حقيقية وراسخة ومؤثرة في سجل حضارتنا وقضيتنا ومجتمعنا؟ فكان العمل مع الأطفال هو الإجابة التي اتفق المجموع عليها، فليس لنا من سبيل في التغيير أفضل من هذا المجال، حيث تلخصت المنطلقات لتبني هذا المجال في النقاط الآتية:
لا يمكننا تغيير الماضي، ولكن علينا أن نعد جيلاً يمكنه صناعة المستقبل.
لا يمكن أن نبدأ بفكرة جديدة بالطريقة السائدة حول الإبداع بمعناه السطحي وبالتالي علينا أن نكمل مسيرة من سبقونا في هذا المجال ضمن سياق محدد.
علينا أن نواجه الشكل الرث للعمل مع الأطفال من دون احتدام، بل من خلال طرح نماذج عملية جيدة وإبراز تجديد آليات العمل.
الاستعانة بما تعلمه الشباب الذين درسوا في الجامعات من أجل عملية التجديد والتطوير.
التأثر بالشذرات والاقتباسات التي تؤيد عملية العمل مع الأطفال كضرورة لتغيير وتقدم الأمم.
الفراغ الإنساني والوطني الذي تعاني منه البيئة المدرسية وبالتالي الأطفال.
طبيعة الخبرة التي يمتلكها غالبية أفراد المجموعة في عمل يسمى العمل الفتياني.
ومن أجل أن تتضح التفاصيل بشكل دقيق، علينا أن نتوقف عند مفهوم العمل الفتياني، كحالة أنتجتها مخيمات اللجوء الفلسطيني في الأردن، وحسب مصادر معلوماتنا ممن أسسوا والتحقوا بهذه الحالة فإننا نوضح الآتي:
عام 1971، كانت مخيمات اللجوء الفلسطيني ما زالت تئن بجرح النكبة والتهجير القسري والتطهير العرقي الذي جرى ممارسته على الشعب العربي الفلسطيني عام 1948 من قبل عصابات الحركة الصهيونية والاستعمار البريطاني، هذا الجرح قد تجدد وتغلغل وامتد عقب نكسة حزيران عام 1967، مما ولد في نفوس اللاجئين الرغبة المشتعلة في استلام زمام المبادرة، على الأقل على مستواهم المعيشي، وعلى الأكثر على مستواهم العسكري وبالتالي السياسي، مما أنتج في مطلع سبعينات القرن العشرين فكرة تتعلق بضرورة توفير بيئة آمنة ومحفزة للأطفال الأيتام في المخيمات، سواء ممن فقدوا آباءهم بسبب استشهادهم في العمليات الفدائية والحروب، أو ممن فقدوهم لأسباب أخرى.
انطلقت شرارة هذه الفكرة -التي قد تعتبر في لحظة ما عادية- من خلال معسكر الفتيان الأيتام على يد مجموعة من خيرة الشباب المثقف والطموح والإنساني والوطني، وما لبثت أن تكررت كل عام حتى أدت لانتشارها على مدى مخيمات اللجوء في الأردن، من خلال اقتباس فكرة معسكر الأيتام الذي يقام في صيف كل عام، ليصبح نشاطاً أسبوعياً صباح كل جمعة في مراكز الشباب المجتمعية الكائنة في المخيمات، وكون الذين كانوا يشاركون في المعسكر السنوي هم ذاتهم أبناء المخيمات .. فقد قاموا بنقل هذا النشاط وفكرته من معسكر سنوي إلى نشاط أسبوعي، يرعى الفتيان الأيتام تربوياً وثقافياً ورياضياً ودراسياً.
يعتبر هذا النظام أو هذه الحالة أو هذا الوسط عملاً اسمه العمل الفتياني، والذي تطور مع تطور الأدوات والظروف والأشخاص والمجتمع، ليصبح الآن متمثلاً في ما يسمى : لجان الفتيان الأيتام التابعة للأندية الشبابية في المخيمات، أو متطوراً ومختصاً في هذا المجال من خلال جمعيات خيرية تعنى بالفتيان الأيتام.
نواة العمل الفتياني هو المعروف بمعسكر الأيتام السنوي أو معسكر ناعور (لأنه يقام في كلية تدريب عمان – ناعور التابعة للأنروا) حيث أنه قد جمع الرعيل الأول للفكرة، قادة وفتياناً، وهو الموزع الأساسي لامتداد الفكرة، ومن الجدير بالذكر والفخر معاً، أن هذه النواة (معسكر ناعور) ما زال يقام للآن بنسخته السابعة والأربعين.
وكيف لنا أن نعرف من هو عمل فتياني ومن هو ليس بذلك؟ إنها مسألة معقدة، وقد نرى أن العمل الفتياني حالة شعبية أنتجتها إرادة اللجوء ونخب جماهيرنا، ولكن كيف يتسنى لنا أن نميز عملياً بين العمل الفتياني وغيره من الأنشطة والأعمال التي تعمل مع الأطفال؟ من الممكن أن نبني أفكارنا معاً من خلال توثيق تجربتنا لنصل إلى استنتاجات جيدة حول هذا الأمر، ومن هنا بدأت التحديات.
التحديات أمر طبيعي الوجود، بديهي التواجد، سليم الحضور، إلا أن طريقة التفاعل والاستجابة لها هو الذي يعبر عن مدى جسارة المجموع وجدية أفراده.
وبعد أن اجتمعت مجموعة من الشبان المتكونة من ثلاثة عشر شاباً ومن عشرة أطفال، وعقدت العزيمة على التوجه للعمل مع الأطفال كجزء ممتد من العمل الفتياني .. بدأ هنا أول تحد بينهم .. كان تحدياً ذهنياً .. حول طريقة فرز البؤر الناشطة مع الأطفال إلى بؤر تنتمي للعمل الفتياني وأخرى لا تنتمي .. وكان الاتفاق الأولي بأنه لا يهم التصنيف من أجل التمييز أو خلق هوية فرعية بلا جدوى ولا معنى.. وإنما انطلاقاً من ضرورة تحديد المجال الحيوي للمضي قدماً من قاعدة وعي جادة ومحددة، ومن أجل النهوض بالفكرة قرر المجموع أننا عمل فتياني .. ولسنا بحاجة لتصنيف الناشطين في العمل مع الأطفال .. فالعمل مع الأطفال في الأردن واضح المعالم على الشكل الآتي:
الوسط الإسلامي (جمعيات ومراكز المحافظة على القرآن الكريم أو المهتمة بالتعليم الديني حصراً)
الوسط الكشفي (المجموعات الكشفية التي تعمل حسب النهج الكشفي العالمي بغض النظر عن الاختلافات القانونية بينها)
الوسط الفتياني (لجان الأيتام وجمعيات الفتيان التي تعتبر نفسها جزءاً من هذا الوسط بناء على بعض الطقوس وبعض العلاقات وخلفية المشاركين وخبراتهم وعلاقتهم بمعسكر ناعور)
أخرى (جمعيات أو أندية أو مراكز قد يجمع بينها كرة القدم أو التوجه الطبقي أو المحافظة ...إلخ) وعادة لا يجمع بينهم حدث عام وليسوا بالضرورة على ارتباط أو تواصل قائم على التكتل أو التحالف.
من هنا تجلت فكرتنا أنها وليدة خبرتنا وانتمائنا للعمل الفتياني، فلا يغفل أن هذه المجموعة متنوعة الخبرات على المستوى الجغرافي للمخيمات، منهم من كان في نادي حي الأمير حسن، منهم من كان في نادي المحطة، منهم من كان في جمعية أيتام المحطة، منهم من كان في نادي العودة، وكل هؤلاء على تواصل وتوافق ممتاز –آنذاك- مع العمل الفتياني على امتداد المخيمات.
ولكن هناك ما هو متفق عليه بيننا سلفاً، نحن لن نعمل مع الأيتام فقط، فغالبية من في العمل الفتياني يركزون على الجانب الإنساني والإغاثي والتربوي للأطفال الأيتام، وهذا ما لم نرده، إن الاحتياج الحقيقي للمجتمع – باعتقادنا حسب خبرتنا الشعبية – لا ينحصر بالاهتمام في الأيتام دون سواهم، حتى أن بعض الذين يعملون مع الأيتام –عموماً- قد انحرفوا عن البوصلة الوطنية والمبدأ الإنساني، وانجروا لشكل يسيء –بشكل أو بآخر- للأطفال الأيتام ويعرض الفكرة للخطر، بل إن البعض يعتمدون على الاستجداء على الأطفال وتقديمهم كفئة مسكينة مكسورة تغمرها الدموع والآهات، نعم إنه الشكل الدرامي للأيتام، إنه الشكل الذي يدمر ما يجول في بالنا، بل إنه الشكل الذي يتعارض معنا أخلاقياً بشكل جذري.
فما لهذا عملنا .. ولا لهذا سنكمل المسيرة.. بل نحن نقدم فكرتنا في سبيل التنمية الذاتية والعامة
وما إن اجتمع أفراد المجموعة الشبابية حتى أطلقوا على أنفسهم : الهيئة التأسيسية، ولحقتهم مجموعة الأطفال العشرية باجتماع ليطلقوا على أنفسهم اسم : فريق الإسناد. استجمع المجموع أفكاره وقدراته لنقوم بالتقديم على طلب ترخيص جمعية خيرية، ومضينا نحو وزارة التنمية الاجتماعية، وفهمنا ما يتطلبه القانون، ومن ثم بدأنا نفكر بالاسم.. وبعد صولات وجولات في مرحلة إعداد الأوراق الرسمية اللازمة لعملية التسجيل والترخيص .. كان لدينا محددات ليكون الاسم منبثقاً بناء عليها، وكانت :
ألا يعبر عن فئة بعينها مثل للأيتام والفقراء (نريد أن نعمل مع جميع الأطفال).
أن يكون سلساً وسهلاً وغير مستهلك (من باب لفت النظر وسهولة الحفظ).
ألا يكون تافهاً أو ساذجاً أو سطحياً (من باب التعامل الجاد مع ما نؤمن به).
أن يكون ذا بعد جامع لا يوحي لأحد بالتفرقة أو التمييز (من باب سياسة التجميع والتراكم).
ألا ينم عن منطقة أو مخيم محدد (من باب قابلية الانتشار والتوسع مستقبلاً).
أن يكون مرتبطاً بإيماننا وثقافتنا التحررية (من باب التعبير عن الذات).
ألا يوحي بأية أيديولوجيا دينية أو سياسية (من باب مراعاة استقلالية العمل الاجتماعي عن السياسي).
وبعد جهد ليس بالعادي، تمخض معنا اسم : يعرب .. هل هو نسبة ليعرب بن قحطان؟ ليس بشخصه وعينه، إنما نسبة لما يتطلع أنه جد العرب، ويقال أنه أول من نطق العربية ونظمها، كنقطة مرجعية تاريخية للتعامل مع حالة العالم العربي، التائه في صناعة هويات فرعية صغرى خلقها الاستعمار وتغذيها العنصرية والجهالة والمصالح الفرعية، وبالتالي اعترافاً منا أن العروبة ثقافة وليس عرقاً، حضارة وليس قوماً، تُراكم ضم العرقيات والثقافات في هوية عربية ضخمة وزخمة، هذا سبب. ومما أكد إعجابنا بفكرة الاسم .. أننا – على سبيل الحلم – سيكون لنا صولة وجولة في عالم التنمية الاجتماعية على المستوى العالمي يوماً ما.. وسنُسأل عن الاسم .. وسنحكي قصة العروبة .. حضارة وثقافة .. من خلال اسم : يعرب.. أي .. لأننا نريدها بهذا الاسم لأننا نؤمن بشكل جازم أنها ستعبر عن بصمة العرب في التنمية الاجتماعية على المستوى العالمي.
هل فعلاً صنعنا الفارق؟ أم كان زعماً اختلقته الحماسة الشبابية والعنفوان وقلة الحكمة ؟ إننا لا نزعم صناعة أي فارق إن لم نربط بين الصناعة والصانع .. لقد صنعنا القيادة الشبابية .. فحين بدأت الإجراءات الرسمية بالمضي قدماً .. ولا يخفى بأن صراعات كانت تدور حول هذه المجموعة.. التي يتكون أفرادها كما أسلفنا من تجارب في أندية شبابية وأخرى في كتل طلابية وأخرى من تجارب جماهيرية .. لقد حافظنا على سرنا المقدس أثناء تأسيس يعرب.. وهو أن نتقدم بطلب التسجيل.. ثم في حال أننا نجحنا في الإجراءات القانونية (لم يكن ذلك متوقعاً أبداً) فإننا سنبدأ بالتفكير بمكان مناسب شريطة أن يكون داخل المخيم. بدأ القلق يأكل من أذهاننا شغفاً ما.. وبدأت الملامح الرسمية بالتجلي.. وكان الصراع في أوجه مع العديد من الأطراف.. ليس من شيم تلك الأطراف أن ترى مجموعة متماسكة وتخيل أي أمر إيجابي .. في أفضل الأحوال .. ستبدأ بمحاربتها .. لماذا؟ لم نكن حينها ندرك السبب الحقيقي وراء ذلك. حتى أننا كنا نخوض غمار صراع داخلي صغير إلى حد ما .. حول توزيع المناصب الإدارية التي علينا التعامل معها بحكم قانونية الجمعيات الخيرية .. حتى أننا وفي ذروة صراع خارجي ما .. أشرق علينا نبأ الموافقة التامة على الترخيص والتسجيل.. لم نصدق ذلك حتى أمسكنا بشهادة التسجيل بيدينا .. وحين أمسكنا بها لم نصدق .. سألنا المسؤول عن تسليم الشهادة 7 مرات السؤال ذاته : يعني هيك خلص ضل اشي؟ كان رده في كل مرة .. بس شكلوا لجنة تحضيرية ودوروا ع مقر.. وحينها أدركنا المعنى الحقيقي للمثل الشعبي: ثبت العيد.
كيف لنا أن ننظم أفكارنا الخيالية في برامج على أرض الواقع؟
هؤلاء الشباب اتخذوا على عاتقهم العمل في مجال التنمية المجتمعية لشريحة الأطفال، فالأطفال هم الشريحة الأكثر أهمية التي نستطيع من خلالها بناء المستقبل، وقد عملوا هؤلاء الشباب على توفير بيئة آمنة للطفل قادرة على صقل شخصيتهم واكتشاف مواهبهم وإكسابهم المهارات الحياتية التي يستطيع من خلالها التعامل مع البيئة الخارجية .
عملت يعرب مع الأطفال من عمر عشرة سنوات إلى أربع عشرة سنة من كلا الجنسين وفي السنة الثانية من التأسيس ضمن شريحة الأطفال من عمر ستّ سنوات إلى تسع سنوات .
ولأننا أيضاً نؤمن بأن المستقبل سيبنى على أيديهم وأنه من واجبنا الإنساني والديني والوطني الاهتمام بهم عن طريق توفير مساحة آمنة لحمايتهم من مخاطر البيئة المحيطة ومن خلال تنمية المهارات الفكرية والإنسانية والاجتماعية لدى الأطفال وتمكين الأطفال في الحياة الاجتماعية والعملية بأعلى المعايير وجودة عالية، فقد أصبحت يعرب بعد مرور ثماني سنوات من تأسيسها المكان الذي إذا وضع الطفل قدمه فيها شَعَرَ بأعلى درجات الأمان وكل ذلك يتلخص في رسالة يعرب إعداد جيل منتمٍ واعٍ قادر على تطوير الذاتية و المجتمعية .
المكون الثاني: القيادة الشبابية
لماذا الشباب؟ إنه سؤال ساذج .. نخجل من كتابة صفحات طويلة إجابةً على هذا السؤال، فالإجابة في صدر كل منا. ولكننا سنسرد إجابة على السؤال : ماذا حصل مع هؤلاء الشباب؟
إن كل الذين كانوا في المجموعة قد ظلموا فردياً وجماعياً بتهمة صغر سنهم، وبالتالي كانت التهمة بمثابة الحل، وبمثابة النبي الذي يلعن الأصنام، ويقوم "بجرم" التفكير، ويمارس "رذيلة" حل المشكلات وتطوير العمل، بل وكنا جميعاً قد رجمنا بسبب "خطيئة" التفوق التقني في التدريبات وتصميم الأنشطة. إننا سنكذب إن روينا أننا استلمنا الإدارة مرغمين لعدم وجود خيارات من كبار السن أو ذوي الخبرة الإدارية .. لقد كان استلامنا للإدارة ردنا الصارم على أنفسنا : نحن أبناء تجربتنا.. فإما أن نكون أو أن نكون. وما هو الداعي لوجودنا إن لم نتعلم ونمسك بزمام المبادرة؟
علينا أن نعترف أن تركيبتنا كانت معقدة إلى حد ما.. ليس من السهل على أحد أن يدخل بيننا –في تلك الفترة- ويندمج بنا، خصوصاً في دائرة التفكير.
وبناء عليه، اعتنقنا الأمر مبدأ غير قابل للتبديل.. القيادة الشبابية .. مفهوماً لم يكن رائجاً، وإن كان بعض المؤسسات الدولية قد بدأت تروج لهذه الفكرة .. إلا أننا تأثرنا بتجربتنا وتجارب شبابية سابقة عديدة، مثل الشباب الذين أسسوا معسكر ناعور، إلى العديد من التجارب الوطنية والعالمية في دور الشباب.
ومنذ حينها حتى اليوم، تقود يعرب ثلة شبابية واعية مثقفة بالمعنى الحقيقي للمثقف، ذلك الذي يزعج المشهد العام ويجعله يبتسم حين يرى التغيير، لم تتجاوز أعمارنا ال25 عاماً، كان الواحد فينا ابن تجربتنا، ابن قضية آمن بها وعمل من أجلها، وتجاوز كل المفاهيم الكلاسيكية، وتفاعل مع مبادئ أمته الراسخة بثبات، بل وجددنا في العديد من المفاهيم والأفكار، واستحدثنا مفاهيمنا الخاصة وبدأنا وكأننا نرسم الأحلام رسماً، لقد تأهلنا لهذه المرحلة بناء على العديد من الأدوات والقدرات التي كنا قد امتلكناها بسبب تجاربنا المتنوعة، حتى صار لنا مكان نستطيع من خلاله استخدام هذه الأدوات والقدرات، بل ونستطيع أن نعبر عن وجودنا، وجودنا الشاب، المختص في فئة الأطفال.
تمخض عن هذا المكون عشرات الشباب القادة، الذين خاضوا تجربة انتخاب سبع هيئات إدارية متعاقبة، على امتداد ثماني سنوات، كانت النقطة الحرجة في كل العمل، بل وكانت المحك الأصعب والميدان الأكثر ضغطاً وجهداً.
إن سرد الأحداث والصراعات في الجو الإداري ليعرب يصلح لأن يكون مادة مهمة لإخراج مسلسل درامي يتحدث عن التحولات النفسية لشخصية الإنسان، كما يصلح أن يكون باعثاً لصناعة الأدباء والشعراء، أيضاً يصلح لأن يكون وصفاً لحرب عظيمة "تنهي كل الحروب" داخل رأس إنسان واحد، بل إنه أفضل ما يصلح له مادة يمكن لديستوفسكي أن يعيد أدبه بناء عليها.
إن حجم الإنجاز مقارنة بالإمكانات مسألة أساسية في الحديث عن تجربة القيادة الشبابية في يعرب، لقد وجدت يعرب في السالب، لقد كان أول قرار لنا أن نكون في مقر في منتصف المخيم، مساحته 180م مربعاً، على طابقيْن، يلخص موضوع المقر بطرفة قاسية.. كنا أول عاميْن نقول: صيانة المبنى تحتاج حرباً خاطفة.. وبعدها.. صرنا نقول: إنها تحتاج حرباً شعبية طويلة الأمد. وبعد أربعة أعوام من الكد والتعب اللذين تظلمهما الكتابة في الوصف.. تجلت علينا فرصتان في شهر واحد.
صيانة المبنى كجائزة بقيمة 40 ألف يورو، وتملك المبنى. لقد كانت الهدية الأولى من منظمة كوست سكوب نظراً لعملنا معها كأفضل مؤسسة في محافظة العاصمة ضمن إحدى المشاريع التي ساهمنا في تنفيذها، والهدية الثانية من متبرع كريم سخي لا يريد ذكر اسمه، لقد كانت هاتان الهديتان نهاية سعيدة لمأساة المبنى وما ترتب عليها من عبء في التفكير الإداري والبرامجي.. في الكثير من اللحظات .. كنا نفقد ثقتنا بنفسنا بسبب المبنى .. وبأوقات أكثر.. كنا نصر على وجودنا في المخيم.
ومن ناحية أخرى.. تطلب التناسق الإداري بين الأعضاء جهداً استثنائياً يراعي العديد من الأبعاد، منها : الانسجام، القدرة على تحقيق مصالح العمل، الالتزام بالاعتبارات المعنوية الخاصة بيعرب، البعد الاجتماعي في المخيم، الخبرة في مجال العمل الفتياني، البعد الاجتماعي العام، بعد العمل الفتياني، القدرة على تكوين بصمة جوهرية للعمل. كلها موازين متضادة في الكثير من الأحيان، لم يكن من السهل على مجموعة من الشباب –الصغار عمراً- أن يصنعوا قنوات حوار داخلية بينهم تحترم الآراء وتتعامل مع الضغط الخارجي (اجتماعي ورسمي وموارد بشرية وفئات مستهدفة وغيره)، كانت غالبية صراعاتنا تدفعنا لإيجاد فلسفة جديدة حول مفهوم ما أو حدث ما أو فكرة ما، كنا نصنع الفلسفة من مادة الحلم ونغذي تلك الفلسفة بجهدنا الشبابي، لا نستطيع أن ننكر أن هذا المحك الإداري قد أكل فعلاً من شبابنا، وبإرادتنا ورضانا، بكل فخر وامتنان، كان الإيمان بجدوى العمل سيد المواقف كلها، كنا نحاول أن لا نقوم بأية عملية للتصويت، وكنا أيضاً نحاول ألا يمشي أي قرار إلا بإجماع الحضور الإداري كافة، وهذا ذاته ما أوحى في مرحلة ما أن الفرد الإداري له حق "الفيتو" إذا صح التعبير، مما أعادنا لمربع ما بين ضد التصويت وضد الفيتو، عداك عن طبيعة الاختلاف التي طالما كانت الفسيفساء المنيرة التي تثري العمل في يعرب على الإطلاق.
من ناحية التقاربات والتباعدات بين أعضاء الإدارة في الهيئات الإدارية السبع عادة ما تكون على النحو الآتي :
تيار العمل الفتياني- تيار أبناء المخيم – تيار المنظمات الدولية – تيار المثالية الأخلاقية- تيار الفنون - تيار البراغماتية المفرطة .. إلخ
هذه محاولة أقرب ما تجسد منبعثات التفكير الإداري وصناعة القرار، من الطبيعي جداً أن تجد عضواً إدارياً في جميع التيارات، حيث أن ما يحدد الموقف من التيار هو الموضوع مثار النقاش والجدل. ويأتي هذا في محاولة للتصريح عن وجود خلفيات ثقافية واجتماعية وعلمية ومهنية مختلفة جداً ومتباعدة إلى حد ما عن بعضها البعض، ذوبتها يعرب في صورة قيادة شبابية واحدة متماسكة، وصهرت كل الاختلافات.. بل ووظّفتها من أجل إنتاج يعرب ذات الصف الواحد، التي يميزها الاختلاف في تفكير أعضاء إداراتها.
لقد كانت رئاسة يعرب ثقيلة دائماً، نتعازم عليها بالمعنى الحرفي، نحسن التدبير في إلصاقها بمن نراه مناسباً، وكنا نتفق على ذلك بيننا من غير علم الرئيس المقبل أو المستهدف من ذلك التدبير، وبعد أن نتفق .. نذهب إليه في مشهد سريالي غالباً ما يكون مضحكاً وكأن من نقوم بإقناعه ليصبح الرئيس يقاوم سجناً أو فرماناً عسكرياً يرسله لخنادق الحرب العالمية الأولى، ولم يرفضها أحد قط إذا أجمع المجموع على كونه رجل المرحلة.
إن الضغوطات التي وقعت علينا في التجربة الإدارية.. تمثل الأبطال الرئيسيين في روايات تولستوي.. أو أجاثا كريستي، فتارة تسحقنا ظروفنا الشخصية (مادية ودراسية وعائلية) في آن معاً، حتى أننا ندرك حقيقة طريفة : المصائب لا تأتي فرادى .. إنما شتوة غامرة. وتارة تأتينا ضغوطات التحدي والشعور بالمسؤولية أمام الأطفال والأهالي من جهة وأمام الأصدقاء والمتبرعين والمنافسين من جهة أخرى.. إضافة لضغوطات مكافحة الإشاعة – وهي من أكثر أنواع الضغوط إثارة للأعصاب- وضغوطات الموارد المالية والموارد البشرية، حتى أننا كنا نسائل نفسنا عن لباسنا وشكلنا وكلامنا وطبيعة منشوراتنا التي نتداولها على مواقع التواصل الاجتماعي. هذا كله لا يأتي بسياق ملائكي أو وردي .. إنه سياق صعب، أكثر ما يجعله صعباً أن هذه المجموعات الإدارية كانت علاقاتها الشخصية جيدة وقد بنت لها العلاقة العملية علاقة شخصية أخوية فيما بينها.. ما يصعب المساءلة .. ويسهل سير العمل.
لم تكن الحالة الإدارية في يعرب مثالية البتة، لقد كانت مثل البحر.. قد يكون ملخصاً لعلم الجمال، وقد يكون هائجاً ضارباً لكل معاني الجمال، هذه هي الصورة .. ما بين هذه وتلك.
كل الأيام الحرجة والأخطاء .. يذوب عبؤها حين كنا نطمح بهذه الطريقة .. فنرى العديد من المواقع المفصلية في الحياة السياسية لدول عدة بدأت فعلاً بتمكين دور الشباب من أعلى رأس الدولة، مثل دور ولي العهد الأردني سمو الأمير حسين بن عبد الله الثاني، ودور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، نعم .. لقد شعرنا بأن العالم يعزز قيادتنا الشبابية ونحن نعززها له، لقد كان شعوراً بانتصار الأفكار.
المكون الثالث: المساعدات
إن مسألة المساعدات برمتها كانت جزءاً من رؤيتنا في العمل مع الأطفال، حيث صممنا مسألة المساعدات بما يليق بمجتمعنا وامتدادنا الحضاري، وليس لتسليع الفقر أو تسويق احتياج الناس، مما أنتج فكرة رئيسية حاضرة دائماً في الحديث عن المساعدات : إننا نمكن الأطفال ذهنياً ونفسياً وثقافياً.. ولكن لن يتجاوب الطفل مع الثقافة إن لم نتجاوب مع الاحتياجات المادية لأسرته، فنحن نراها أداة إسناد لاستمرار التعلم والعيش الكريم، وليس أداة لتحويل الناس إلى كسالى أو اتكاليين.
من هنا ظهرت فكرة إنشاء صندوق النقدية الطارئة والتي تعنى بدعم أي طفل لأي جانب مادي يفتقده هو أو أسرته، بمعيار أن تكون المشكلة تؤثر بشكل اجتماعي أو نفسي أو دراسي أو قانوني على سلامة هذه العائلة. وهو الصندوق الأول في هذا البرنامج المتعدد والمتشعب.
ومن زاوية أخرى، فإن العمل التقليدي في المساعدات، يقتضي وجود فرع يكفل الأيتام بمبلغ مالي شهري، أضافت يعرب لهذه الصورة النمطية مسألة تشمل الأيتام وتضيف حالات أخرى تعتبر قرينة لحالة اليتم : العائلات التي لا تستطيع الإنتاج، مثل عائلة يكون فيها رب الأسرة مشلولاً، أو العائلة التي يكون ربها مفقوداً ولا تعترف بذلك الجهات الرسمية.
أما درة المساعدات اليعربية، فهي فكرة مميزة أنتجتها يعرب من فهمها المميز لطبيعة شعبنا العربي واحتياج الشرائح الفقيرة حسب السياق الأردني، ألا وهو صندوق المساعدات الصحية الطارئة، حيث يكفل هذا الصندوق، والذي يعمل كوادره ليلاً ونهاراً، من أجل جمع التبرعات حسب الحالات اليومية، كما يخدم هذا الصندوق كل من يطرق باب يعرب على مستوى المملكة، ولتكون الفكرة أوضح فإنه يعتمد بشكل أساسي على فكرة الفزعة، الفزعة العربية، ليس بمعناها الخاطئ، إنما بمعناها العربي الأصيل، ألا وهو هبوب الكل من أجل جزء، تضافر المجموع من أجل فرد، إنها ثقافتنا العربية والتي بنيت عليها فكرة الصندوق، والذي عالج حالات جماً ومن كل الجنسيات القاطنة في الأردن.
وبناء على تلك التراكمات والتطورات، تكرم الديوان الملكي الهاشمي العامر، بمنح يعرب محفظة مالية إقراضية حسنة من أجل إقراض الناس على مستوى مخيم النصر قروضاً تشغيلية تتيح لهم إنشاء أعمال صغيرة من أجل تحسين مستواهم الاقتصادي وعلى فترة سداد طويلة جداً، حيث وظفت يعرب هذه الميزة في سبيل تحسين معيشة هذه الأسر من خلال تدريبهم على أعمالهم وإدارتها المالية والتقنية.
ولأن يعرب وليدة بيئتها ونتيجة ثقافة شبابها، فقد قامت مؤخراً باستحداث صندوق خاص بدعم طلبة العلم على تعدد سياقاتهم الثانوية أو الجامعية أو العالية، من خلال توفير قروض حسنة يتم سدادها على فترات معقولة.
تعتبر هذه الأدوات المكونات الرئيسية لرؤية يعرب، فمنها ما يخدم الأطفال بشكل مباشر، ومنها ما يخدم أسر الأطفال، ومنها ما يخدم أهالي مخيم النصر عموماً، ومنها ما يخدم على مستوى المملكة.
هذه الرؤية وبهذه المكونات لم تأت من فراغ، أو من محاولة لتقليد أحد، ولا بسبب تقديرات عبثية، أتت هذه الرؤية وبهذه الأدوات، في محاولة من يعرب للإحاطة الشاملة لبيئة الطفل، فبجانب الأسس البرامجية التي تستهدف بناءه ورعايته النفسية والذهنية والثقافية، تأتي المساعدات لتسنده في احتياجاته الأساسية (النقدية الطارئة)، وفي حال وقوع عجز مالي لدى عائلته كذلك يسنده الصندوق، وفي حال عجز رب أسرته عن إعالة الأسرة، فإن (صندوق الكفالات) يقوم بالمساندة، وفي حال وقوع مكروه صحي لأي فرد من أفراد عائلته فإن (صندوق الصحية الطارئة) يؤمنه، وفي حال رغبة رب الأسرة بالإنتاج وتحسين الدخل فإن (المحفظة الإقراضية) قد تسنده، وفي حال الحاجة لاستمرار تعليمه في الثانوية أو الجامعة فإن (صندوق الطالب) يسانده كذلك.
إن خضوع هذه الأفكار للواقع العملي لم يكن بين ليلة وضحاها، بل أخذ الكثير من الوقت والنضج والخبرة والسؤال والتجربة والتقييم، لكنه وعلى صعيد آخر يبعث في هذا المجموع معنى لا يشبهه شيء، معنى مركب حول الفوز في التحدي، وحول تحمل المسؤولية ، والإخلاص والمحبة والتكافل والتعاون. إنه تجل صارخ يعبر عن الإيمان.
المكون الرابع: النماذج الفريدة
إن الفارق الذي يتطلبه المجتمع وتحديداً الأطفال.. هو البصمة الفريدة القائمة على الفهم المميز لنقاط القوة والضعف.. والقائم على الإخلاص والمحبة، والشعور المسيطر بالمسؤولية، مما أدى بالضرورة إلى إيجاد نماذج فريدة للعمل مع الأطفال وبالتالي مع الشباب.
بدأت يعرب تتجلى بصناعة نماذج فريدة في العمل مع الأطفال من خلال إقامة المعسكرات الصيفية والشتوية، ليس الفن في إقامة معسكر، بل بالمُخرج الاستثنائي الذي تستطيع تحقيقه من هكذا مشروع.
كان في يعرب عدة أشخاص متمرسين جيداً في المعسكرات قبل يعرب، ومنذ طفولتهم، هؤلاء إحدى مميزات يعرب الخفية، لقد كان جزء من إدارتها الشبابية في صفوف الأطفال يوما ما في العمل الفتياني، سواء في نادي حي الأمير حسن أو في نادي العودة أو نادي المحطة.. وبالتالي كان الواحد فيهم قد شارك أكثر من عشرة معسكرات في حياته ، مما أنتج رغبة عارمة في تجديد أسلوب المعسكرات ليس من خلال الإبداع – بمعناه السطحي - ، إنما من خلال ثلاثة عناصر أساسية :
ربط السياق البرامجي بالمعسكر
الرؤية الثاقبة لتفعيل أدوات المعسكرات وابتكار جديدة
الشغف المشتعل.
ومن هنا قامت يعرب بإقامة عدة معسكرات، وانتهجت طريقة في تسمية معسكراتها على أغاني الفنان السوري الملتزم سميح شقير، كما أُقرت منذ اليوم الأول القاعدة الآتية:
لا يوجد معسكر متكرر، لا يوجد معسكر نمطي سنوي، المعسكر عبادة وليس عادة، ليس سنة في موعد محدد ونمط محدد ومخرج متكرر.
وعلى صعيد آخر، تفوقت يعرب في صناعة الألعاب الجماعية للأطفال، وابتكار أنشطة جماعية ترفيهية ورياضية وفنية وثقافية وتربوية ومثيرة للذكاءات ومحفزة لسرعة البديهة.
في مرحلة البداية، كان العديد من المؤسسات "القديمة" تشكك بقدرة يعرب الإدارية، فاستوجب الأمر إثباتاً فريداً ببصمة يعربية راسخة، مما حملنا للتفكير ومن ثم التنفيذ لفكرة مسابقة امتدت عاماً كاملاً على مستوى مخيمات المملكة، تحت مسمى : مسابقة انتفاضة المواهب، حيث شارك فيها العديد من لجان وجمعيات العمل الفتياني في المملكة، وفاز بالجائزة الأولى أربعة أطفال من مخيم الطالبية.
ومن ناحية أخرى، قامت يعرب في رمضانها الأول باستضافة عشرات الوفود من الأطفال من أغلبية لجان وجمعيات العمل الفتياني على موائد رمضانية داخل مقر الجمعية، كان هدفها تقريب المسافات بين أطفال المخيمات. بمشروع وطن في ملح.
يتجلى الإبداع في يعرب في الأزمات، وكنموذج جائحة كورونا كان الظرف صعباً للغاية وتنفيذاً لقانون الدفاع، فبدأ التحدي لدينا وكان التحدي هو القيام بواجباتنا ومسؤولياتنا اتجاه أطفال وعائلات يعرب بطريقة فريدة ، استحدثت يعرب نموذجاً جديداً في العمل مع الأطفال فتحولت البرامج من الميدان إلى منصات التواصل الاجتماعي، في البداية تم تصميم خطة تناسب جميع الأعمار والفئات التي تشاهد صفحة يعرب على الفيس بوك ، فكانت البداية بمسابقات ثقافية لأطفالنا في الجوانب الأدبية و الثقافية وكان يصاحب هذه المسابقات جوائز تحفيزية لتشجيع الأطفال ،أما بما يخص الصحة استحدثت يعرب برنامج خاص بالتوعية عن الصحة تعمل على إكساب العائلات المعلومات الكافية للوقاية من فايروس كورونا
ابتكرت يعرب نموذجاً جديداً لبرنامج حماية الطفل (راكم) تجاوباً مع الظرف العالمي ،كانت الأساليب و الطرق والبرامج المناسبة للتعامل مع تلك الفترة كالآتي :
بدأت يعرب باستحضار برنامج ثقافي يعمل على تطوير المهارات لدى الأطفال عن طريق تطبيق زووم والهدف من البرنامج إشغال الأطفال بأشغال هادفة نظراً لوقت الفراغ الكبير الموجود، البرنامج الثاني الأدبي وكان هدفه تعزيز اللغة العربية ، والفارق كان بالمسابقات شبه أسبوعية إذ كان يحفز الطفل على التركيز ومتابعة البرامج اليومية ، كان الدور الأبرز والأكثر مشقة على فريق المرشدين، فالمرشد عليه متابعة الطفل في البرامج و متابعة أحوال العائلات مادياً نظراً للظرف الراهن فبحمد الله تمكنّا من القيام بواجبنا الاجتماعي والوطني اتجاه العائلات .
نموذج النادي الإعلامي، لأن يعرب تستند بشكل أساسي على أبنائها وإيماناً بواجبها بتمكين الأطفال بمهارة يحبها الطفل، صممت يعرب برنامج الإعلامي الصغير فهو يسعى لبناء القدرات الصحفية والإعلامية لدى شريحة الأطفال المهتمين بمجال الإعلام ، لغايات إشراكهم بنقل التجربة ، تعلم مجموعة من الأطفال المهارة الإعلامية ومكنتهم من العمل في المجال الإعلامي في يعرب فتوفرت لهم مساحة تنفيذ فأبدعوا وفي الوقت الذي تقرأ فيه هذه السردية عزيزي القارئ، المسؤول عن إعلام يعرب هم خريجو النادي الإعلامي.
نموذج برلمان الأطفال، نظراً وتجاوباً لإبداع الفتيان في برامج يعرب في سنة 2019 ، أطلقت يعرب مشروع برلمان أطفال يعرب الهادف لبناء قدرات الحوار والنقاش والمناظرة وكسب التأييد والخطابة والدعاية والتنافس النزيه وروح التحدي وبالتالي صقل الشخصية ، طلب من كل الأطفال تشكيل كتل انتخابية فبدأ التنافس الشرس النزيه بين الأطفال وكان عمل الأطفال على مدار الساعة تقريباً في مبنى الجمعية فكان كل زائر يطرق باب يعرب يرى كتلة أو اثنتين على الأقل وكانت القوى المؤثرة من الكوادر داخل الجمعية مجبورة على اتخاذ الحياد أولاً لتكون الانتخابات نزيهة وعادلة وثانيا لقوة كل الكتل فكان الكادر في حيرة دائمة فكل يوم فكرة من قائمة ومبادرة من قائمة أخرى وإبداع من أخرى ، وكانت اللجنة المسؤولة عن العملية الانتخابية تراقب القوائم الانتخابية عن كثب فكانت إحدى الحالات حل قائمة من القوائم وذلك لسوء تعامل أفرادها مع بعضهم البعض فقررت اللجنة حل القائمة ومطالبتهم بتشكيل قائمة مختلفة الأفراد ،فتجلت أعلى أجواء المنافسة في يعرب لمدة ثلاثين يوماً ، جاء اليوم الموعود المنتظر فكان كل من يعمل في يعرب أو صديق أو حتى متابع على منصات وسائل التواصل الاجتماعي ينتظر في أجواء تعلوها الرومانسية اليعربية ، كان كل ناخب يدخل يعرب تعلوه ابتسامة الانتصار فيرى في أطفال اليوم قادة الغد، فيتراود في خياله رسالة يعرب وأنها طبقت في حذافيرها ، انطلقت العملية الديمقراطية اليعربية.. شارك في عملية الانتخاب كل من أسرة يعرب والأصدقاء والداعمين فانتخبت القائمة الأعلى حصاداً للأصوات.. يوم أبرز فيه كل جماليات ومثاليات يعرب .
نموذج البواسل ، صمم البرنامج لتجاوز الأثر النفسي لجائحة كورونا وصقل الشخصية القيادية للكوادر القائمين على المشروع من خلال ابتكار قالب إبداعي حر الحركة والمحتوى بناء على رغبة الأطفال وبقيادة لا مركزية تتيح للقادة التحرك بشكل مرن على الصعد التنفيذية والتخطيطية، وقد حدد الأطفال العناوين الآتية ضمن أفرقة عمل متخصصة مبنية على التعلم بالممارسة الميدانية :
السياحة المجتمعية، مهارات مايكروسوفت أوفيس، الخدمة المجتمعية، العرض والتقديم، حقوق الإنسان، صناعة المحتوى
استخدمت يعرب أسلوب تعلمي جديد وهو التعلم بالتجربة والممارسة فبدأ المشروع بتدريبات مكثفة لقادة الأفرقة لإعدادهم للبدء بعملية التخطيط للأفكار ، فمن القادة من استبدل الفكرة لأنها غير مناسبة ومنهم من استصعبوا فكرة أن يقوموا بتخطيط وتنفيذ وتحمل مسؤولية فكرة كاملة ولكن إرادتهم وشغفهم الذي لا ينتهي أسعفهم .
تشكلت الأفكار على النحو الآتي :
فريق المثقف الحقوقي : فريق يختص بتدريب الأطفال المشاركين على حقوقهم وواجباتهم في المجتمع وإكسابهم مهارات التأثير في المجتمع
فريق صناعة المحتوى : تدريب الأطفال المشاركين على صناعة المحتوى الهادف ومواجهة المحتوى الساذج السائد والمنتشر في السوشال ميديا فتدربوا على المحتوى المرئي والكتابي
فريق التكنولوجيا :فريق يختص بتدريب الأطفال المشاركين على برنامج مايكروسوفت و تعليم الأطفال مهارة استخدام جهاز الحاسوب بطريقة صحيحة
فريق السياحة المجتمعية : فريق يختص بتدريب الأطفال على مهارة السرد والبحث والتوثيق الميداني
فريق العرض والتقديم : فريق يختص بتدريب الأطفال على كيفية عرض وتقديم أي فكرة بطريقة إبداعية
فريق الخدمة المجتمعية : فريق يختص بتدريب الأطفال على التخطيط للمبادرات وتنفيذ مبادرة.
كانت أماكن تنفيذ مشروع البواسل مختلفة، فمثلاً فريق السياحة المجتمعية ينفذ بحوثه الميدانية في قلعة عجلون وفي أم قيس ، فريق الخدمة المجتمعية نفذ عدة مبادرات في بنك الملابس ، فريق المثقف الحقوقي أقام عدة جلسات حوارية في البرلمان المدرسي ، كانت كالعادة إحدى تجارب يعرب الفريدة والتي زرعت أثراً في قادة الأفرقة قبل المشاركين وأكسبت خبرة لجميع من عمل في المشروع.
المكون الخامس: الاستدامة الذاتية المسبقة
كانت مسألة الاستمرارية كابوساً لدى أية مجموعة ناشطة في تلك الأيام، وقد تكون كذلك في كل العصور، ليس من السهل تجميع أفراد لديهم القدرة على الانصهار في مجموعة توحدها فكرة، وتضبطها قواعد، وتدفع ثمناً تطوعياً لإنجاز أعمالها الذهنية والميدانية، لذلك كان لا بد أن نكون حريصين كل الحرص ومنذ البداية على تصميم آليات من شأنها استدامة يعرب، وبدأنا بذلك قبل يعرب في الحقيقة.
لا يوجد نقطة زمنية محددة بدأت بها فكرة تغذية العمل بكوادر من خلال ما يتم تخريجه من أطفال، لأنها أصلاً موجودة بطريقة ما في العمل الفتياني، ففيه يكون الطفل فتى حتى سن اليفاعة، وبعدها يصبح مساعداً، حيث تعرف هذه المرحلة بمرحلة ما قبل الإرشاد والإشراف، لكن المسألة لدينا لم تكن ببساطة وجود ممر آمن بين أن يكون الطفل فتى .. فيصبح في مرحلة ما قبل الإرشاد (مرحلة المساعد)، إضافة لذلك لا بد من ذكر تأثرنا بالعديد من النماذج التي تعد كوادر بشرية لها ضمن رؤية استراتيجية لأهدافها ولطبيعة الموارد البشرية المتاحة. حيث نستطيع القول أن هذا المكون (الاستدامة الذاتية المسبقة) قد كان حاضراً في البال ومن قبل بداية يعرب.
لدينا سؤال مهم هنا : هل هذه فكرة مستقلة عن يعرب؟ أم أنها فكرة تخدم يعرب؟ أم أنها فكرة ولدت من أجل يعرب؟ كانت الإجابة من خلال العمل.
بدأنا تنفيذ الفكرة في شهر 10 / 2014 بما يعرف : برنامج النخبة مع أحد المؤسسات التي كنا نتطوع بها، وعليه فإننا قمنا بتجربة أن نعطي اليافعين بالأعمار (11-14) مجموعة من المواد الصعبة التي لا يأخذونها بالمدارس أو المراكز، وأن نعلمهم على كيفية تطويعها في سبيل أهداف نبيلة، ومن هنا كان منطلقنا بأن نزرع الطموح فيهم ليتطلعوا بجدية ورغبة عالية لأن يصبحوا قادة (كوادر)، وكنا دائما نقول : أنتم اليوم فئة مستهدفة، وغداً زملاؤنا، اليوم نعطيكم، وغداً نعطي معاً، اليوم أنتم يافعون، وغداً كلنا قادة.
وبعد ذلك تمخض من البرنامج الابتكاري الجديد، آلية إبداعية جديدة وجريئة، وهي فريق الإسناد، وذلك في شهر 02/2015 (قبيل الاتفاق على تأسيس يعرب بشهر) ، لقد كان هذا الفريق مؤلفاً من عشر أطفال ممن تفوقوا في أداءهم في برنامج النخبة، لتكون وظيفتهم التعلم من خلال الممارسة ومن خلال المجاورة، ممارسة ما أخذوه في النخبة، ومجاورة كوادر العمل في التفكير والتنفيذ، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه دافعاً كل المجموع للتقدم استحساناً بالأمر وتفاؤلاً بما هو آت.
وإذا دققنا في نشأة يعرب، نجد نتيجة هذا المكون في ذكرنا : (وما إن اجتمع أفراد المجموعة الشبابية حتى أطلقوا على أنفسهم : الهيئة التأسيسية، ولحقتهم مجموعة الأطفال العشرية باجتماع ليطلقوا على أنفسهم اسم : فريق الإسناد.) لقد كان هؤلاء الأطفال مجموعة ساهمت في تأسيس يعرب بكل جدارة وبسالة.
حين شرعنا العمل في يعرب، بدأنا بالتفكير –بطبيعة الحال – باستمرار هذا المكون، وبالتالي أطلقنا مشروع الطفل المثقف تحت اسم : مشروع الحراس، ليضم أولئك العشر أطفال، إضافة لمن يرغب بالانضمام، كان ذلك منذ شهر 10/2015 – 08/2016، ومن ثم أعدنا الكرة وأطلقنا مشروع الحراس بنسخته الثانية منذ شهر 09/2016 – 12/2017، ثم توقف العمل به عاماً كاملاً بسبب الأعباء الإدارية والمالية التي عطلت علينا القدرة على تطبيق هذا النوع الزخم من العمل، وأيضاً من أجل إتاحة الوقت للذين تخرجوا من هذين المشروعين، ليعتمدوا أكثر على التجارب الميدانية خارج يعرب، وخلال عام 2018 بدت لنا منجزاتنا في هذا المشروع.. الذي يحول إرادة المشاركين من إرادة عادية إلى إرادة مشتعلة ليصبحوا كوادر وقادة.. خلال هذا العام بدت لنا الفكرة كفكرة برنامج يستطيع أن يفرز الناجح والفاشل في الآليات، وبدت لنا الأمور على شكل منهجية عمل محتملة، ثم أعدنا الكرة وأطلقنا النسخة الثالثة من "فكرة الحراس" على شكل مشروع أشرعة، وحتى وخلال كورونا، تم العمل على النسخة الرابعة لفكرة الحراس، ووصلنا مطلع عام 2023 بالنتائج الآتية خلال سبع سنوات:
قامت فكرة الحراس بتخريج 36 شاباً وشابة من مرحلة المستفيد إلى مرحلة المفيد(القائد)
تم العمل على أربعة أفواج على أربعة مشاريع منذ عام 2014-2021
يتم العمل الآن في النسخة الخامسة (كل فوج يتطلب 18 شهراً تدريبياً)
العامل القوي الصامت في سيرورة الفكرة هو أنهم : يكبرون مع مرور الوقت
ساهم هؤلاء الخريجون في تولي شتى مهام العمل في يعرب ابتداء من مساندة العمليات اللوجستية، مرورا بمساندة الإرشاد الاجتماعي، ثم الخوض بمهام الإرشاد، التدريب، التيسير، التنسيق، ثم القيادة وإدارة المشاريع، وحتى مطلع عام 2022، فإن ما يفوق 50% من مجموع المتطوعين في يعرب (أكثر من نصف المهام الفاعلة الآن) يتقلدها أحد مخرجات الحراس، وفي كل المحاور، سواء كان ذلك في الهيئة الإدارية أو في الميدان والبرامج.
ساهم هؤلاء الخريجون في الأعمال التشاركية وكانوا رأس الحربة في إنجاح العديد من الشراكات العملية وتكوين العلاقات، الفردية والمؤسسية.
كان لهم الأثر البالغ أينما حلوا بأن لديهم من القدرة على التأثير ما يكفي لترك أثر طيب سواء على صعيد خدمة الأطفال أو التفاعل مع مجتمع المخيم أو مجتمع مدارسهم أو حتى على صعيد المنظمات الوطنية والدولية والأنروا. كانوا سفراءنا بحق. مما تسبب في أننا لم نكن نتحدث عن نجاحنا في حين أن نجاحنا هو الذي يتحدث عنا.
تمخض عن هذه التجربة منهجية عمل امتدت بالتجريب واعتمدت على التقييم وقياس الأثر ورعاية الخريجين والاهتمام بهم ومواصلة التأثير والتأثر بهم. هي منهجية الحراس لإعداد القادة للأعمار 14-17 عاماً
تمخض عن هذه التجربة منهجية عمل اعتمدت على أهمية هذا المكون في التأثير على تفكير وسلوك الشباب وبالتالي تكوين شخصياتهم وعقلياتهم، منهجية عمل تم إعادة تصميمها لتخدم أية مجموعة شبابية رسمية أو غير رسمية، وهي منهجية الحراس للقيادة الشبابية للأعمار 18-25 عاماً
تمخض عن التجربة الإدارية والفنية لهذه المنجزات، توأم يعرب: مؤسسة الحراس للتنمية المجتمعية المستدامة، والتي تأخذ على عاتقها توثيق تجربة يعرب، ونشر هذه الحالة بكل مكوناتها بشكل لا مركزي يعتمد على طلب أية مجموعة شبابية تبتغي بناء اجتماعياً أو ثقافياً ما. إضافة لتكميل الأجزاء التي لا تعمل بها يعرب بطبيعة المحددات القانونية.
استطاعت هذه التجربة وما زالت، أن تحافظ على صدق النوايا، وعلى انخراط أكبر كم ممكن من الناس في قيمنا، بل واستطاعت أن تجدد وتبدع، بل إنها تعتبر مصدر فخر واعتزاز، وسبباً رئيسياً لاستمرار العديد من كوادر العمل لهذا اليوم.
المكون السادس: التشاركية والانفتاح
لقد استغرق الأمر وقتاً جيداً، قضينا أول عامين في تقوقع ما، تقوقع خاص بمجموعة من الشباب "الصغار" والأطفال، الذين يركزون على أمر واحد فقط : ملحمة الوجود، وثبات الوجود. فعلاً .. كنا نرى الأمر في العام الأول ملحمة.. وبعد كل ملحمة ثبات، لذلك تولدت حاجة ماسة عميقة لتكسير هذه القوقعة التي قد تتحول قريباً لانغلاق مأساوي.. انغلاق فكري .. انغلاق برامجي.. انغلاق إداري.. انغلاق شعبي .. قد نتحول إلى كتلة مغلقة لا ينفعها أي إنجاز ولا أي عمل.
كنا خلال أول عامين جيدين جداً باستقطاب الكوادر والخبرات والأشخاص الراغبين بالتعلم، كان هذا منفذاً استراتيجياً لأمرين : عدم انغلاقنا التام، وتجدد الفكر الإداري والبرامجي. إلا أننا وبكل وضوح، صرنا مشبعين بالموارد البشرية التي تحتاج أعمالاً جديدة وامتدادات جريئة، في سبيل العدد النوعي لإنجاز الأعمال ولِحَقّهم في خوض تجارب يعربية نوعية، وبدأنا التوسع الخارجي في العلاقات وبالتالي في نسج الشراكات التي غالباً ما كانت تضمن بطريقة ما عطاء يعرب وليس أخذها للموارد.
كانت لدينا مخاوف جماً، يعرب على حد وصف أحد المغرضين : خزان شبابي ناضج ومؤثر، وكان الكثيرون يفكرون بنسج شراكات من أجل استفادتهم من الحالة وليس من أجل الاستفادة المتبادلة، يبدو أن عقلية الاستعمار الإمبريالي قد تمارس على المستوى المؤسسي للأسف. لذلك وفي العديد من التجارب الصغيرة كنا ننسحب أو نلتف من أجل عدم تكوين معادلة ميدانية تستنزف فيها يعرب من أجل لا شيء.
وعلى صعيد آخر.. كان هناك اندفاع منبثق عن طبيعة الثقافة التي يحملها هذه المجموع، مثل أنه من واجبنا مساندة أي عمل اجتماعي أو مؤسسي أو شعبي خصوصاً إذا كان شبابياً، كنا نرى أنه من واجبنا أن نساعد العديدين حتى لو كان استنزافاً من نوع معين، كانت هذه الأفكار الكثيرة تنضوي تحت مسمى : الخندق الواحد . بمعنى أن المجموع في يعرب كان يعتقد جازماً بأن يعرب حالة استثنائية وعليها مناصرة أية حالة تطلب ذلك، خصوصاً وأننا شباب قد عشنا مرارة اللجوء وشعور العجز تجاه قضايا المجتمع والأمة، مما ولد لدينا شعوراً حقيقياً بالمسؤولية ليس قائمة على الأفضلية أو معادلة الكبير والصغير أو معادلة القوي والضعيف.. إنه الأمر كله يختصر بمعادلة توحيد الصفوف ورصها لمواجهة ما يهدد أعمالنا أو ما يساعدنا على إنجازها.
لم يسعف ذلك الشعور إحساسنا بتقوقع سلبي ما قد بدأ . مما أجبرنا على اتخاذ خطوات جادة من أجل الانفتاح والتشاركية، أتى ذلك بجوار دعوات وتوجيهات واضحة من الأمم المتحدة حيث عززت هذه التوجهات ما كنا نمارسه في مسألة التشاركية، مما أشعرنا بخطى واثقة
عملت الإدارات المتعاقبة على العديد من فتح أبواب سبل التعاون والتشارك، أدى لتنفيذ العديد من المشاريع مثل:
مشروع اللغات (الإنجليزية/الألمانية/الفرنسية/الإسبانية) – مخيم النصر – أطفال يعرب
مشروع حماية الطفل – مخيم غزة – أطفال مخيم غزة
مشروع النادي الصيفي أطفال – جمعية الحنونة للثقافة الشعبية – أطفال يعرب والحنونة
مشروع مخيم صيفي لتعزيز ثقافة المقاطعة – الأردن تقاطع – أطفال متعددين
مشروع المكتبة – مؤسسة سما غزة 2020
مشروع الصديق – منظمة كويست سكوب
مشروع العلاج النفسي بالرسم لضحايا الأزمة السورية – منظمة قرى الأطفال
إسناد تكية أم علي في توزيع الطرود الغذائية على مستفيدي منطقة النصر
مشروع تراث بلاد الشام – مؤسسة الجبل الفيروزي - أطفال مخيم النصر
مشروع صناعة الناي – مؤسسة بيت الناي - أطفال مخيم النصر
مشروع مساحات – كوادر يعرب – مؤسسة حبق
مشروع سفير المخيم – مؤسسة حبق
مشروع فارس – مؤسسة حبق
مشروع اللغة الإنجليزية – أطفال يعرب – اتحاد قيادات المرأة العربية
مشروع الضفة الثالثة – كوادر يعرب
المكون السابع: الفن والأطفال
لا يعد توظيف الفن في العمل مع الأطفال أمراً جديداً في العمل الاجتماعي عموماً وفي العمل الفتياني خصوصاً، لكننا عملنا على الفرق الجوهري بين الفن وغيره، فمن خلال الفن الأدائي تحديداً مثل المسرح وفنون الدراما، ومثل الكورال والغناء الملتزم، مثل الدبكة الشعبية ، ومثل فنون الخطابة وإلقاء الشعر والنثر، كانت تستطيع تحقيق فارق استثنائي في الإنجاز في حياة الأطفال، فإننا في راكم ومشاعل نبني البيئة الأساسية لتقدم الحالة النفسية والذهنية والاجتماعية والفكرية لدى الأطفال، ولكن يبقى في الفن العديد من الكنوز والأسرار التي تستطيع التأثير الفردي والجماعي في كل إنسان على حدة، فيستطيع المسرح مثلاً أن يحرر الإنسان من عقده النفسية أو ضغطه الذهني، بل ويمكنه من إيصال العديد من الرسائل الاجتماعية والوطنية بطرق وجدانية منطقية مركبة. ومن جانب آخر .. لا نستطيع أن نغيب الدافع الأساسي لتوجهنا للفنون الأدائية، ألا وهو أنها تشكل الأدوات الاستراتيجية للتعبير عن الحالة الوطنية والحفاظ على التراث الفلسطيني وتناول الحالة الفلسطينية في الشتات كمكون نعتبره اليوم حالة، وفي المستقبل تراثاً، يعبر عن الفلسطيني في سياق تهديد الاحتلال الصهيوني لهويته وتراثه ووجوده برمته، وبما لا يتعارض مع بل ويعزز الانتماء للأردن والعالم العربي. إن الفن في نظرنا هو السبيل الأكثر رسوخاً في الضمير الجمعي والفردي من أجل تحسين الصحة النفسية، ومن أجل الحفاظ على الروح الوطنية، ومن أجل استمرار الضمير الإنساني، وعملياً، فهو المساحة التي نختبر من خلالها تأثير المرشدين والمشرفين على الأطفال، وما هي الحاجة الفردية لتعديل السلوك أو لتعزيز الثقافة وصقل الشخصية.. كل ذلك من خلال الفن.
إن الترجمة الفعلية لتلك الأفكار كمكون أساسي من التجربة، تجلت عبر مسرحية ضخمة أقيمت عام 2017، كتتويج لكمّ الجهود التدريبية التي تم العمل عليها في برنامج حماية الطفل – راكم، وقد عرض علينا المهندس نورس الريماوي (أحد أبرز قادة العمل الفتياني من مخيم الزرقاء) فكرة إقامة مسرحية مأخوذة من قصة الأستاذ عدنان الريماوي، واقترحنا عليه فكرة إقامتها على النمط الرحباني (الغناء الملتزم والشعر والدبكة والدراما بشكل مدمج)، وبالتالي أسفرت هذه النقاشات مع تلك الجهود مسرحية شارك بها 66 فتى وزهرة من أطفال مخيم النصر، إضافة لثلة من الممثلين (مدربو الأطفال)، وهذا ما يعرف بمسرحية حفنة من تراب القرية، والتي أخرجها المهندس نورس الريماوي، والتي عرضت 5 عروض في جامعة البلقاء التطبيقية وفي مخيم النصر ومخيم إربد ومخيم الزرقاء ومدينة الزرقاء، خلال عامي 2017 و2018.
كانت هذه التجربة الملهم الرئيس ليعرب في تصميم برنامج خاص منفصل عن مجريات باقي البرامج الهادفة لحماية الطفل وتوفير البيئة الآمنة، لقد بدأنا التوسع في طبيعة العمل أيضاً، وفي تشكيل قواعد متينة للعمل مع الأطفال، كما كانت مصدر ثقة للكثير من الأوساط، لقد تجاوزت يعرب محنتها الكبيرة في مسألة صغر سن إدارتها، وتعدت كل المشككين في إتقانها للعمل، وأبرزت يعرب من خلالها قوتها وصلابتها وتماسكها والأهم .. مصداقيتها مع نفسها ومع الجمهور.
وبناء عليه، بدأت الفنون بالتجلي منذ النصف الثاني لعام 2018 كبرنامج مستقل اسمه برنامج ثريا، بدأ بنسخته الأولى من شهر9-شهر12 / 2018، عملت خلالها يعرب على المسرح والخطابة والكورال والدبكة.
كما أسهمت - كما أوردنا في المكون الخاص بالتشاركية – العديد من المؤسسات والشراكات إنتاج هذا النوع من البرامج مثل جمعية الحنونة للثقافة الشعبية ومعهد كراشندو للموسيقى ومؤسسة بيت الناي، لتعمل يعرب نسختها الثانية من ثريا عام 2019، وتمتد به الفنون لتشمل العديد من العناوين كالرسم مع الأستاذة تمام الأكحل، إضافة لفتح باب الرياضة داخل ثريا كالمصارعة الرومانية وكرة القدم وكرة السلة والكيكبوكسنغ والسباحة، كانت ذروة فنية رياضية جانبية بجانب الأعمال الأساسية التي تعمل بها يعرب مع الأطفال، وقد وصلت الأنشطة ذروتها حين خاض فريق الدبكة الشعبية في يعرب تحدي مسابقة جائزة شومان ، وبعد جهد جهيد، كان المركز الأول من نصيبهم عام 2019.
في الكثير من الأحيان، لا نصدق أن هذا الكم من الإنجاز كان بهذه الوتيرة المتسارعة، لم تكن عبقرية منا، لقد كانت فعلياً موجاً عاتياً من رغبة الأطفال واليافعين والشباب، موجاً لا يشق فيه صف ولا يدخل بينهم حصى، لم تكن الحال هذه حالاً مجموعة تعتمد على حنكتها فقط، لقد كان الاعتماد دائماً على أمواج الإرادة المتدافعة العارمة التي تضرب كل مستحيل.
المكون الثامن: الإدارة التكيفية
وعلى ذكر للحنكة، من الضرورة بمكان أن نسطر في سردنا تجربة يعرب عنواناً مهماً حول إجادة صناعة التكتيكات والتحركات السريعة، التي غالباً ما كانت واضحة للعيان، وموضع ثقة وجدل في آن معاً للمهتمين والجمهور.
إن الأمر بهذه البداهة .. مجموعة من الشباب العاملين تطوعاً في مكان أسسوه من العدم، هؤلاء الشباب ليس لديهم أولوية في حياتهم أكبر من هذه الأولوية، وإن لديهم من الخبرات وحالات الفشل والنجاح ما يكفي من أجل إدارة المواقف بشكل يحمي العمل، ويطور من أدواته، ويعمل على توسعه وانتشاره. ضع بجانب كل ذلك مسألة بسيطة جوهرية.. هؤلاء يعملون بذلك المجال لأنهم يحاولون التغيير للأفضل.. فهم أبناء الشتات الفلسطيني، تحيطهم حالة واضحة من الوطنية.. ليست الوطنية الدعائية.. بل حاجتهم لوطن، وطن يرونه في الشعر والوجدان والذاكرة.. يشعرون أن عليهم استعادته، معتمدين أساساً على الأردن الوطن .. ليس الوطن البديل، بل وطن يمكننا من استعادة وطن محتل.
هنا كان مكمن الإدارة التكيفية، أن عندنا من البواعث النبيلة والواقعية ما يكفي من أجل إدارة الصراع.
كنا نسمي هذه القدرات بمفهوم : الإدارة التكتيكية، ونظراً لضرورة إيجاد مفردات يفهمها جميع من في المجال فإننا هنا نطلق عليها : الإدارة التكيفية، فنحن لا نعمل بعقلية من وصل اليقين وأراد أن يمليه على الفئة المستهدفة، ولا بعقلية الفارغ الذي لا يرى أي احتياج اجتماعي أو إنساني أو فكري أو ثقافي فيأخذ كل مضمونه من التوجهات العالمية للمنظمات وغيرها، بل نحن نؤمن حقاً بأن مركزية العمل هو المجتمع نفسه، ونرفض فكرة المركزية الغربية أو التبعية الغربية، أو استيراد ثقافة أو قضية لا تمت لسياقنا الاجتماعي بصلة، فإذا كان الواقع المتعلق بالأطفال دراسياً يفضي إلى رثاثة علمية أو ركاكة لغوية أو ضعف تدريسي، فإننا تكيفنا مع الأمر واستحدثنا مشاريع تدريسية غير نظامية (ليست كالمدرسة)، تعتمد على قبولنا لدى الأطفال وعلى إمكانياتنا الجيدة في الوصول لشباب يدرسون هذه المواد المدرسية بأساليب إبداعية، وكانت النتائج مذهلة طيلة السنوات.
وإذا كان الحديث عن حاجة المجموع الشبابي لمواكبة التحديثات الخاصة بسياق العمل الاجتماعي في الأردن والعالم فقد أقمنا دورة تدريب مدربين مكثفة تجاوزت الستين ساعة تدريبية مع أمهر المختصين الشباب في هذا العنوان، إضافة للعديد من الدورات كالتيسير والإرشاد وغيره.
وإذا كان التحدي متعلقاً بمقارنة القدرة بالرغبة لدى المتطوعين، ففي كثير من المراحل كنا نجمع متطوعين مليئين برغبة التطوع، ولا يملكون ما يكفي لإتقان عملهم الإرشادي أو التدريبي مع الأطفال، فكنا على امتداد السنوات نقيم دورات إعداد الكادر لتمكينهم من أدوات العمل والأسس النظرية والتقنيات العملية.
وإذا كان الحديث على الصعيد الإداري أو المالي فقد كان الدور الأبرز للهيئات الإدارية في تفادي العقبات المالية والقانونية والتعامل الإداري الجيد مع الأزمات الداخلية والتوترات الخارجية.
وإذا كان الحديث عن كورونا فلنا من القصص ما يكفي في إدارة التكيف، فقد وقعت الإغلاقات بسبب الجائحة، وبدأ انقطاع غير مسبوق في التواصل بسبب الجائحة، فقد اعتاد اليعربيون التواصل الدائم دون أية انقطاع خلال أربعة أعوام من العمل الدؤوب والمتواصل، وفجأة ساد الصمت، فتقرر إنشاء مشروع خاص بالحوار الشبابي، كخطوة تعتبر الأولى من نوعها العمل الشبابي من أجل العمل الشبابي بحد ذاته، وليس من أجل إعدادهم للعمل مع الأطفال، أطلق عليه : مشروع الحوار الشبابي بلستيا، والذي استخدم تقنيات التواصل التكنولوجي لإقامة أنشطة حوارية وصالونات نقاشية وأدبية وعلمية تعتمد على التعرض لتجارب الآخرين لتعزيز الانفتاح واستدامة الحوار والتواصل بين الفريق داخلياً من جهة، ومع العلاقات من جهة أخرى.
كانت الحالة الإدارية إبان كورونا "جنونية" على حد وصف البعض، فقد كان المجموع كله أمام خيارين : الانسحاب وتجميد كل عمل إلى أن يتبين الوضع العام، الخيار الثاني : الانسحاب..تباً له كما قال جنرال الجيش الأمريكي في الحرب العالمية الأولى.. القرار الذي جعل أمريكا في حينها ترجح كفة الحرب.. ونحن ومن البديهي قررنا أن نقول : الانسحاب .. تباً له.
وعليه، فقد قامت يعرب ولم تقعد، في حين –وللأسف- قعد الجميع ولم يقم الغالبية، ونقول للأسف لأنه فعلاً مؤسف أن تقوم يعرب وحدها بالعديد من الجهود التي تتشرف وتفتخر بعملها، ولكنها استنزفت جداً بسبب فراغ الساحة في سياقها، مما أثقل كاهلها، ومع ذلك استمرت. بدأ المجموع المكون من أكثر من 75 متطوعاً بتقسيم الأدوار على بعضهم، فنشأ لدينا فريق الأمن الغذائي، وفريق البرامج، وفريق الإعلام.
عمل فريق البرامج على مشروع استمرار البرامج الاعتيادية عن بعد عبر صفحة الفيسبوك والواتساب ، وذلك عبر مشروع راكم عن بعد، ليستمر عبر الشاشة بالعناوين والخطة ذاتها وعلى الملأ، إلا أن فاعلية النشاط لم يكتب لها التوفيق، فانتقل بعدها لإقامة مسابقات عن بعد تضمن أن يقوم الطفل بعدة أنشطة ذاتية يحقق من خلالها أهداف الخطة البرامجية لذلك العام، ولم تدم هذه الطريقة طويلاً، إلا أنها نجحت إلى ما بالاعتماد على مدى قدرتنا بالتأثير على الأطفال. وأخيراً وبعد الجائحة بستة شهور، قام فريق البرامج بإجراء يصح وصفه بالانتحاري، لقد قام بتصميم جدول للنشاط الوجاهي وبشكل قانوني ويراعي قواعد السلامة، إلا أنه اعتمد على جهد بالغ من أجل الخطة، وبفضل الله تعالى، فإن في يعرب ما يكفي من الشغوفين المخلصين من أجل العمل، وعليه.. فقد تم إعادة تصميم نشاط راكم الذي كان ينفذ 4 ساعات بالأسبوع ل150 طفلاً .. إلى نشاط ينفذ على 40 ساعة ل80 طفلاً. يأتي الثمانون طفلاً على أربعة جلسات كل يوم، وكل يوم لديهم مشرف أو مدرب، يطبق 4 جلسات مكررة وفي كل جلسة 20 طفلاً أو طفلة، وبالتالي يأتي الأطفال 5 مرات في الأسبوع وفي كل مرة نصيب الطفل الواحد ساعتين من النشاط المركز. لقد كان إدارة تكيفية تعتمد على الرغبة والإرادة.
وعلى صعيد فريق الأمن الغذائي، فقد قام هذا الفريق بتحريك كل موارد يعرب من أجل إقامة حملات جمع تبرعات سريعة تهدف إلى إسناد أي عائلة من عائلات أطفالنا، وأي عائلة تمتهن عمل المياومة، أو إسناد أي عائلة تطرق بابنا على مستوى المملكة الأردنية الهاشمية، كان انقلاباً مركزاً على الواقع، قاومت سواعد الشباب وعامل الفقر مقاومة فذة، وكانت خير سند للناس والمجتمع.
المكون التاسع: روح الجماعة
من الإنجاز الجمعي إلى التبني الشعبي، أي عمل المجموع على تبني المجتمع لفكرة يعرب وبالتالي اعتمد تمويلها على الشبكات الاجتماعية الشعبية التي دعمت العمل من الدينار للألف بشكل دوري. هنا تجلت روح الجماعة، فقد قال لنا قائل يوماً: التمويل المعتمد على المجتمع ليس مستداماً، وكان ردنا العملي: الرسالة التي يتبناها الشعب لا تموت، لأن الشعب مستدام بطبيعته، وهذا لا يغفل أبداً ضرورة وجود مشاريع مدرة للدخل تمتلكها الجمعية مستقبلاً.
وعلى الصعد الأخرى في روح الجماعة..
(على كل منا أن يخلع انتماءاته وتوجهاته على باب يعرب.. ويدخل يعربياً خالصاً منصهراً في أسرة يعرب، عضواً أصيلاً، أخاً كريماً، يقدر الاجتهاد، ويسائل المخطئ)
(سننسب النجاح لنا .. نحن .. المجموع.. أسرة يعرب.. تماماً كما سننسب الفشل لنا)
(إذا أساء واحد منا أمام الجمهور فإنها ستكون إساءة يعرب وليست إساءته وحده)
(إن هذا المكان يرفض سياسة الرجل الواحد، كما يرفض سياسة الوكلاء الدائمين.. والأوصياء المقدسين)
(لا يمكن لأي عمل جماعي أن يفشل إذا كان فعلاً الفرد من أجل المجموع.. والمجموع من أجل الفرد)
(إن المصداقية الحقيقية التي على الإدارة التمتع بها .. وبالتالي ستنعكس على مصداقية الكوادر.. هي قدرة الإدارة على محاسبة نفسها بنفسها)
(إن الرحمة أولى ما تكون بين مجموع مثل مجموع يعرب)
(إننا نفضل انتهاء يعرب على أن يتسلق على جهدها مغرض صاحب أموال، أو منافق من بين صفوفها)
(هناك نوع من الناس في هذا العمل .. مخسره مكسب)
(حقيقة امتداد يعرب لحضارة وتاريخ ومكونات ثقافية وفكرية .. لا يكون بالقول.. إنما بالسلوك)
(لا يفترض شيء بلا تقييم موضوعي لنتائج العمل)
(على الكوادر أن يكونوا إخوة أمام الأطفال .. كما أن يكونوا إخوة وراء الأطفال)
بهذه الاقتباسات التي تكررت في اجتماعات يعرب مئات المرات.. نبدأ بسرد الحديث عن هذا المكون الصلب.
سن المؤسسون سنة واضحة منذ العام الأول، العمل الإداري ليس حكراً على أي أحد، سواء سنت هذه السنة لتأثرنا ببعض النماذج العملية هنا وهناك أم لا.. ولكننا ندرك تماماً أنها ليست بالكثيرة أو العديدة، فهي رد واضح وراسخ غير مباشر ضد أي فئة تحتكر الإدارات أو الحكومات. فمن حق الجميع أن يكون ذا تجربة يتعلم منها، ومن حق الدور الإداري أن يحدد متطلبات الخوض بذلك الدور. بهذه البداهة سن المؤسسون مبدأ : تداول الإدارة. فعلى مر الهيئات الإدارية جميعها لم يدخل الهيئة الإدارية أحد بحكم الوصاية أو الديمومة أو الثبات، إنما بحكم الجدارة والاختيار. وهنا قد يكون هذا شيء، وعدم ثبات العضو الإداري في مهمته الإدارية مسألة أخرى، تضعف أحياناً المسألة الأولى، بمعنى أنه لا يوجد خبير تام في كل شؤون يعرب، وهذا سيف ذو حدين.
وكانت السنة الثانية هي أنه لا وجود لأي قرار بلا مسوغ قانوني، وبلا رضا جماعي. من هنا انطلقت مسألة أسرة يعرب، فهي مجموعة تتكون من كل يعتبر نفسه يعربياً، ويؤدي في مهمة واضحة خلال دورة برامجية سنوية، مما تعدى المفهوم القانوني : الهيئة العامة، فقد يكون لدينا متطوعون لا يريدون التسجيل في الهيئة العامة، أو أنهم أقل من 18 عاماً، أو ليسوا يحملون الجنسية الأردنية، ما حملنا لإيجاد دائرة شاملة تسمى أسرة يعرب.
في أسرة يعرب يجتمع الصغير والكبير، القديم والجديد، العربي والأجنبي، الفاعل والمساند، الإداري والكادر، الفني والقيادي، ليكونوا معاً دائرة تتبنى النجاح والفشل، وتتبنى الإرادة الجماعية، وتمثل العقلية الجمعية، وبالتالي تحرك السلوك الجمعي، وتشكل الضمير الجمعي، حيث أنها الصورة المثالية التي يسعى لها أي متطوع في الانتماء. منها يتبنى الإنجاز.. لأنه منها يصمم.
ومن ذلك .. كانت المؤسسات العاملة في العمل الاجتماعي معتادة على نمط معين في شهر رمضان المبارك من أجل إقامة حفل مركزي سنوي رمضاني من أجل جلب التبرعات، وقد قامت يعرب بتنفيذ هذا النمط مرتين ولم يكتب له التوفيق، مما أدى لرغبة جامحة في نفوسنا على مدى ثلاث سنين بأننا نريد أن ننجح في عملية تمويل يعرب، وعليه فقد قمنا بنقل سياق العمل من المكان الممكن للمكان الذي لا يعمل به أحد، من الطريقة المعتادة إلى الطريقة الجريئة، حولت الإدارة طريقة التمويل من طريقة تعتمد على عشر أشخاص يعتبرون كبار داعمين، إلى عشر أفرقة عمل من المتطوعين يدخلون في نقاشات ومخاضات مع مئات الناس، وبدلاً من دفع 1000 دينار من متبرع واحد، انتهجت يعرب عبر أسرتها طريقة ال1000 دينار من100شخص.. وظهر الخطاب الآتي:
(إننا في يعرب نحتاج إلى أن يقوم الشعب بتبني رسالتها..لا أن تتبنى يعرب رسالة رأس المال)
تمخض عن هذا التحول العسير نجاح باهر لا يناظره نجاح.. فقد انتقلت العقلية الجمعية (التي تتبنى المسؤولية بالنجاح والفشل والمنصهرة في جسد واحد ورسالة واحدة) .. إلى جسد يركز ويضرب ويحقق الإنجازات.. إنه سهل المجهود.. إن التمويل خرج من عاتق الإدارة إلى عاتق من يتبنى رسالة يعرب.. إلى مئات الأشخاص.. سواء متطوعين أو أصدقاء للعمل.. تمخض عن هذا التحول إقامة حملة جمع للتبرعات بالدينار والدينارين والعشرة والعشرين... لقد خاطبنا الجميع .. وعليه فقد توسعت دوائر العلاقات .. مما أثار انتباه العديد من الناس.. ولفت الأنظار المهتمة بالعمل العام.. وعليه.. فقد قامت يعرب بقلب النموذج التقليدي في الإفطار المركزي.. من إفطار رسمي تكلفي يحضره بضعة متبرعين (قد لا يتبرعون) ويحضره حفنة من الأطفال والكوادر .. إلى إفطار في قلب المنطقة الشعبية ,, في قلب الميدان .. في مدرسة بجوار المخيم.. يحضره كل الأطفال.. كل الكوادر .. كل الأصدقاء.. كل أهالي الكوادر .. كل أهالي الأطفال .. ومن أراد من المتبرعين .. إفطار كان يقتصر على مئة شخص .. ليصبح إفطاراً يشارك به ما يفوق ال1200 شخصاً. لقد كانت فكرة لدى ثلاثة وعشرين شخصاً.. وتبناها آلاف الأشخاص.. ومولها مئات الأشخاص.. وهذا رد على كل منظمة دولية قالت لنا يوماً : التبرعات ليست مستدامة .. نقول لها اليوم .. إذا تبنى الشعب رسالة يعرب .. فإن الشعب مستدام..
بهذا توالت منذ عام 2018 ستة إفطارات مركزية، ثلاثة منها جماهيرية، وواحد عن بعد بسبب كورونا، وثم عادت لطبيعتها عام 2022، وتوالت عليها عشرات حملات جمع التبرعات السريعة والمتوسطة، إضافة للعديد من حفلات التتويج الرسمي والشعبي نهاية كل عام، وكان سبب نجاحنا الإداري والفني والمالي والشعبي .. هم أسرة يعرب.
قمنا بهذا المخاض من أجل نقول وبكل جرأة: لا يعنينا أن نكون أوائل أو أواخر.. بل يعنينا اليوم أن نطلق العنان لتجربتنا بكل مكوناتها صدراً مفتوحاً لكل من يريد العمل.. فهي ليست حكراً لنا أو علينا.. فما نحن عليه اليوم.. ليس إلا ما منحنا الله تعالى إياه..
من الصعب توثيق التجارب التي يختلط فيها الوطن بالفقر، وبالإبداع بالشح، والوجدان بالتحدي، والخوف بالاندفاع، والحب بالعلم، والشغف بالمصاعب، والشعر بالنثر، واللغة بالمقصد، والخيال بالمنطق، والمخيم بالجمال، والإيمان بالظلم.
لهذا نترك ختام هذه السردية مع الأفق الشعري التالي، الذي قد يوضح تجربتنا بسياق شعري، يتلخص في مقولة نراها عنوان المرحلة القادمة: لا الرحلة ابتدأت .. ولا الدرب انتهى
