يتغير التاريخ بالضرورة، على كل الصعد الطبيعية والبشرية، أما في حياة الشعوب، فإن هذه التغيرات لا تكون سريعة كحياة الشخص الواحد، بل تأخذ سنين طوالاً في حركة التاريخ، وإننا في الحراس، نسعى للتحرر الوطني، فإننا بالضرورة أن نستقي الدلالات والفوائد والمعاني من حركات التحرر الوطني، إذ أننا نعتقد اعتقاداً جازماً بأن أعظم تجارب التاريخ على الإطلاق في تحرير البشر من عبودية الدنيا ومفرزاتها التي تحتقر الإنسان، هي دعوة سيد الخلق نبي الله تعالى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن هنا، ومن تجارب أخرى، كالتجارب الفيتنامية والجزائرية والإفريقية، وبكل تأكيد الفلسطينية، نرى يقيناً أن هذه التغييرات تحتاج إلى قيادة ذات نواة صالحة، وتمتلك رؤية واضحة، وإن الالتحاق بهذه القيادة وتحقيق الرؤية، يحتاج عناصر بشرية تتبنى قناعتين راسختين: الإيمان بحتمية النصر، والاستعداد للتضحية.
إن الكلام النظري، والأفكار والفرضيات، وتنميق المفردات وتجميل الخطابات، وصياغة المقالات وبث العواطف، لا يساوي شيئاً البتة أمام هول وفظاعة ما يقوم به المشروع الصهيوني على أرض فلسطين، وما يسببه من مظالم للمنطقة بأسرها، لذلك فلا بد من تحول هذه المرتكزات الفكرية إلى قناعات تجبل السلوك الإنساني بها، بل وينطلق السلوك منها، وعليه فإن الحديث أيضاً بأي عمل وطني لا بد وأن يكون خطه الأول تحديد المقياس الذي تقاس به الأمور، ومن خلاله يُمارس النقد، فلكل إنسان فكره ومشاعره، أما إذا تحدثنا عن الإنسان الذي أراد أن يكون قائداً ذا رؤية واضحة، وعلى قناعة جازمة بحتمية النصر والاستعداد للتضحية، فإن ما بينهما يكون السلوك، وكيف نحدد السلوك الصحيح من الخاطئ؟ ببساطة من خلال اعترافنا بأن الخطأ المسلكي هو تناقض ممارسة الكادر مع قناعاته النظرية. وبمعنى آخر، هو وجود تناقض بين الإيمان والسلوك. وعلى سبيل المثال فلا يمكن للفرد المسلم مثلاً أن يوحد الله قولاً وأن يشرك بعبادته عملياً، وكذلك، لا يمكن أن يسعى المرء للتحرر الوطني قولاً وأن يشتري ويبتاع المنتجات الداعمة للاحتلال عملياً.
لذلك يجب توحيد الإطار السلوكي من خلال ما نسميه الميثاق الأخلاقي، فالأخلاق هي السلوكيات المعتمدة والمثبتة والمتفق عليها بين الناس والمؤيدة تلقائياً من الله تعالى عبر كتابه العزيز أو سنة نبيه الكريم أو كليهما.
وأيضاً للتسهيل على الكادر، في التعامل مع ذاته أو مع الجمهور، فإننا نقوم هنا بتوضيح السلوكيات المتفق عليها من أجل تسهيل النقد، وتعزيز السلوكيات الصحيحة والبناء عليها، وردع السلوكيات الخاطئة ومساعدة من يرتكبها على الخلاص منها، أيضاً فهي تحمي الحراس من أية انحرافات سلوكية قد تؤدي للتخريب أو المبالغة أو التعصب أو الخروج على الدين أو القوانين أو الأخلاق أو الأعراف.
فالمسلكية التخريبية هي تلك التي تؤدي نتائجها إلى تقويض التحرر الوطني، وتحطيم فرصة استمرارها، وقتل حيويتها، وإحباط آمال الجماهير بها.
نرى في الحراس أن المسلكية التخريبية قد تكون مقصودة أو غير مقصودة، ومعالجة كل منها يتطلب إجراءات مختلفة، باختلاف السياق والظروف، ولذلك فإن التعامل مع الخطأ المقصود أخلاقياً يؤدي لاتخاذ إجراءات صارمة للتعامل معه وقد يصل للفصل من العمل، أما الخطأ غير المقصود فإنه إذا كان مرتبطاً بقلة الوعي أو ضعف المهارة فإن من حق الكادر التعلم من الخطأ، وأيضاً من حقه أن نقوم بتعليمه وتطويره، وهذه قناعة راسخة في عملنا الشعبي المؤسسي، أما إذا تكرر الخطأ غير المقصود في نفس السياق فإن هذا ما نعتبره تناقضاً بين الإيمان والسلوك، ويترتب عليه إجراءات صارمة.
أيضاً عندما تتولد لدى الكادر طموحات ذاتية غير مشروعة، ويسعى لتقديم الخاص على العام، ويبدأ بتكوين مركز قوي أو تجمع فرعي كخطوة أولى نحو النزاع أو الانشقاق، فإن هذه المضاعفات والأخطاء المركبة تحتاج تزكية أيما تزكية للشخص ويتم التعامل معها بإجراءات مكثفة على صعيد نفسي ومهاري وقانوني في الوقت ذاته، ولكن التعامل أيضاً يكون بحزم وجدية عالية تأخذ بعين الاعتبار المصالح العليا للعمل.
تكافح الحراس بطبيعتها المسلكية الانتهازية، التي تربط مصالحها الذاتية بمصلحة آنية للحراس، والتي قد تتسلق على جهود الآخرين وتنكر فضلهم من أجل انتهاز موقف ما أو الانتفاع من مصلحة ما، حيث إن التعامل مع هذه المسلكية لا يكون إلا بالمكاشفة والنقد واتخاذ الإجراء السليم بشكل صارم يحمي الجهود التطوعية للشباب، بهذه المسلكية تناقض جوهري مع الاستعداد للتضحية.
لذلك، ولما يحمل من تعقيدات، نظمنا هذه المسائل المعقدة بشكل مبسط ومباشر، يعتبر تطبيقه من كوادر الحراس واجباً ملزماً لحماية العمل واستمراره ولتحقيق أهدافه ورسالته ورؤيته، حيث أن الحماية داخلية وخارجية، داخلياً يعني أن أحمي نفسي من أي انحراف مسلكي، وأن أراقب نفسي جيداً وأجعل نيتي صافية، وأن أحاكم أفكاري وسلوكياتي بشكل عادل، وبشكل دوري، أما خارجياً يعني وأن أحمي العمل في كل نطاقاته من خلال متابعتي لسلوكيات من هم مسؤولون مني. (فريق العمل الذي أكون معه أو مسؤولاً عنه)، بناء عليه تم تقسيم الميثاق الأخلاقي لسبعة أبواب (مجالات)، فيما يلي بيانها، بعد أن نوضح البعد الأخلاقي الجوهري للحراس.
